سيد محمد طنطاوي
10
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
5 - مناسبتها لما قبلها : وقد جرت عادة بعض المفسرين أن يعقدوا مناسبة بين السورة وبين سابقتها ، ولعل أكثرهم توسعا في ذلك الإمام الآلوسي فقد قال : « ووجه مناسبتها لآخر المائدة أنها افتتحت بالحمد والمائدة اختتمت بفصل القضاء وهما متلازمان ، كما قال - سبحانه - وقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّه رَبِّ الْعالَمِينَ « 1 » . وقال الجلال السيوطي في وجه المناسبة : « إنه - تعالى - لما ذكر في آخر المائدة * ( لِلَّه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ وما فِيهِنَّ ) * على سبيل الإجمال ، افتتح - جل شأنه - هذه السورة بشرح ذلك وتفصيله ، فبدأ - سبحانه - بذكر خلق السماوات والأرض ، وضم - تعالى - إليه أنه جعل الظلمات والنور ، وهو بعض ما تضمنه ما فيهن ، ثم ذكر أنه خلق النوع الإنسان وقضى له أجلا وجعل له أجلا آخر للبعث ، وأنه - جل جلاله - منشئ القرون قرنا بعد قرن ، ثم قال - تعالى - قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ والأَرْضِ إلخ . فأثبت له ملك جميع المظروفات لظرف المكان . ثم قال ولَه ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ والنَّهارِ فأثبت أنه ملك جميع المظروفات لظرف الزمان ، ثم ذكر - سبحانه - خلق سائر الحيوان من الدواب والطير ، ثم خلق النوم واليقظة والموت ، ثم أكثر في أثناء السورة من ذكر الإنشاء والخلق لما فيهن من النيرين والنجوم وفلق الإصباح وفلق الحب والنوى ، وإنزال الماء وإخراج النبات والثمار بأنواعها ، وإنشاء جنات معروشات وغير معروشات إلى غير ذلك مما فيه تفصيل ما فيهن » . هذا ، وقد عقد فضيلة الشيخ محمود شلتوت - رحمه اللَّه - مقارنة ضافية بين سورة الأنعام وبين ما سبقها من سور مدنية فقال ما ملخصه : وأما السور الأربع المدنية التالية لسورة الفاتحة - والسابقة لسورة الأنعام - وهي سور : البقرة ، آل عمران ، النساء ، المائدة ، فهي بحكم مدنيتها تشترك كلها في هدف واحد وهو تنظيم شؤون المسلمين بالتشريع لهم باعتبارهم أمة مستقلة ، وبإرشادهم إلى مناقشة أهل جوارهم فيما يتصل بالعقيدة والأحكام ، وإلى الأساس الذي يرجعون إليه ويحكمونه في التعامل معهم في حالتي السلم والحرب ، وقلما تعرض هذه السور المدنية إلى شيء من شؤون الشرك ومناقشة المشركين . وهذه السور مع اشتراكها في أصل الهدف العام ، تختلف قلة وكثرة فيما تتناوله من التشريع الداخلي الخاص بالمسلمين ، والتشريع الخارجي الذي يرتبط بهم مع من يخالفهم في الدين .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 8 ص 76 طبعة منير الدمشقي .